العيني

52

عمدة القاري

اجتهاده إلى شيء لا يلزمنا الأخذ به ، بل نجتهد كما اجتهد هو ، فما أدى اجتهادنا إليه عملنا به وتركنا اجتهاده . واما محمد بن علي فهو : محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، الهاشمي المدني ، أبو جعفر المعروف : بالباقر ، سمي به لأنه بقر العلم أي : شقه بحيث عرف حقائقه ، وهو أحد الأعلام التابعين الأجلاء ، وروى هذا موصولاً في ( فوائد ) الحافظ أبي بشر المعروف بسمويه ، من طريق الأعمش ، قال : سألت أبا جعفر الباقر عن الرعاف ، فقال : لو سال نهر من دم ما أعدت منه الوضوء . وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون محمد بن علي هذا محمد بن عليه المشهور بابن الحنيفة ، والظاهر الأول . واعلم أن جميع ما ذكر في هذا الباب ليس بحجة على الحنفية ، فإن كان من أقوال الصحابة فكل واحد له تأويل ومحمل صحيح ، وإن كان من قول التابعين فليس بحجة عليهم ، لما ذكرنا عن أبي حنيفة الآن . وأما عطاء فهو ابن أبي رباح وأثره وصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه . قوله : ( وأهل الحجاز ) من عطف العام على الخاص ، لأن طاوساً ومحمد بن علي وعطاء حجازيون ، وغير هؤلاء الثلاثة مثل سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والفقهاء السبعة من أهل المدينة ، ومالك والشافعي وآخرون ، وخالفهم أبو حنيفة ، واستدل بما رواه الدارقطني : إلاَّ أن يكون دماً سائلاً ، وهو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين . قال أبو عمر : وبه قال الثوري والحسن بن حي وعبيد الله بن الحسن والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وإن كان الدم يسيراً غير خارج ولا سائل فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم ، وما أعلم أحداً أوجب الوضوء من يسير الدم إلاَّ مجاهداً وحده . وعَصَر ابنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ ولَمْ يَتَوضَّا وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : حدثنا عبد الوهاب حدثنا سليمان بن التيمي عن بكر ، قال : ( رأيت ابن عمر عصر بثرة في وجهه فخرج منها شيء من دم ، فحكه بين إصبعيه ثم صلى ولم يتوضأ ) . ( البثرة ) ، بفتح الباء الموحدة وسكون الثاء المثلثة ، ويجوز فتحها وهو خَرّاج صغير . يقال : بثر وجهه ، وهذا الأثر حجة للحنفية ، لأن الدم الخارج بالعصر لا ينقض الوضوء عندهم لأنه مخرج ، والنقض يضاف إلى الخارج دون المخرج كما هو مقرر في كتبهم ، فإن فرح أحد من الخصوم أنه حجة على الحنفية فهي فرحة غير مستمرة . وبَزَقَ ابنُ أبي أوْفَى دَماً فَمَضَى فِي صَلاَتِهِ ابن أبي أوفى : اسمه عبد الله ، وأبو أوفى اسمه : علقمة بن الحارث الصحابي بن الصحابي ، شهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد ، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين ، وقد كف بصره ، وهو أحد من رآه أبو حنيفة من الصحابة وروى عنه ، ولا يلتفت إلى قول المنكر المتعصب : وكان عمر أبي حنيفة حينئذ سبع سنين ، وهو سن التمييز . هذا على الصحيح إن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين ، وعلى قول من قال : سنة سبعين ، يكون عمره حينئذ سبعة عشر سنة ، ويستبعد جداً أن يكون صحابي مقيماً ببلدة ، وفي أهلها من لا يكون رآه وأصحابه أخبر بحاله وهم ثقات في أنفسهم قوله : ( بزق ) ، بالزاي والسين والصاد : بمعنى واحد ، وهذا الأثر وصله سفيان الثوري ، وفي ( جامعه ) عن عطاء بن السائب أنه رآه يفعل ذلك ، ورواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) بسند جيد عن عبد الوهاب الثقفي عن عطاء بن السائب ، قال : رأيت ابن أبي أوفى بزق دما هو يصلي ثم مضى في صلاته ، وهذا ليس بحجة لهم علينا ، لأن الدم الذي يخرج من الفم ، إن كان من جوفه فلا ينقض وضوءه ، وإن كان من بين أسنانه فالاعتبار للغلبة بالبزاق والدم ، ولم يتعرض الراوي لذلك ، فلم يبق حجة . والحكم بالغلبة له أصل وروى ابن أبي شيبة عن الحسن في رجل بزق فرأى في بزاقه دماً أنه لم يرد ذلك شيئاً حتى يكون عبيطاً ، وروي عن ابن سيرين أنه ربما بزق فيقول لرجل : أنظر هل تغير الريق ؟ فإن تغير ، بزق الثانية ، فإن كان في الثانية متغيراً فإنه يتوضأ ، وإن لم يكن في الثانية متغيراً لم ير وضوأً . قلت : التغير لا يكون إلاَّ بالغلبة . وقالَ ابنُ عُمَرَ والَحسنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلاَّ غَسْلُ مَحاجِمِهِ